عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
17
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
بالعجائب ، وهي مع الإيجاز مشتملة على كثير من النحو قيل ، ولم يسبق إلى مثلها واعتنى بها جماعة من الفضلاء شرحوها ، ومنهم من وضع لها أمثلة ، ومع هذا فلا يفهم حقيقتها ، وأكثر النحاة يعترفون بقصور إفهامهم عن إدراك مراده منها ، فإنها كلها رموز وإشارات ، وقد قال بعض أئمة العربية : أنا ما أعرف هذه المقدمة ، وما يلزم من كونه ما أعرفها إن لا أعرف النحو ، ويقال : إنه كان يدري شيئًا من المنطق ، وعلى جملة ، وفي مقدمته المذكورة كلام غامض ، وعقود لطيفة ، وأشار إلى أصول صناعة النحو وغريبه . وذكر بعضهم أنه كان إذا سئل عنها ، هذه من صنعتك ؟ . قال : لا لأنه كان متورعًا وكان قد جرى بين الطلبة بحث حصلت منه فوائد ، فعلقها الجزولي فيها ، وفوائد أخرى من كلام شيخه ، فسلم يسعه لذلك أن يقول هي من صنعتي ، وإن كانت منسوبة إليه ، لأنه الذي انفرد بترتيبها . وكان قد دخل إلى الديار المصرية ، وأقام بهامدة حجج ، ثم رجع إلى بلاد المغرب ، وأقام بمدينة بجاية مدة والناس يشتغلون عليه وانتفع به خلق كثير والجزولي بضم الجيم والزاي وسكون الواو نسبة إلى جزولة ، وهي بطن من البربر . وفي السنة المذكورة توفيت عين الشمس بنت أحمد بن أبي الفرج الثقفية الأصفهانية . وفيها توفي أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرزي الفقيه النحوي الأديب الحنفي الخوارزمي ، كانت له معرفة تامة بالنحو واللغة والشعر وأنواع الأدب ، قرأ على جماعة ، وسمع الحديث من طائفة ، وكان رأسا في الاعتزال ، داعيًا إليه منتحلاً مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في الفروع ، فصيحًا فاضلاً في الفقه ، له عدة تصانيف نافعة منها شرح المقامات للحريري ، وهو على وجازته مفيد محصل للمقصود ، وله كتاب المغرب تكلم فيه على الألفاظ التي يستعملها الفقهاء من الغريب ، وهي للحنفية بمنزلة كتاب الأزهري للشافعية . وما قصر فيه ، فإنه أتى جامعا للمقاصد ، وله غير ذلك ، وانتفع الناس به وبكتبه ودخل بغداد حاجًا ، وجرى له هناك مباحث مع جماعة من الفقهاء وأخذ أهل الأدب عنه ، وكان شهير الذكر بعيد الصيت ، وله شعر من ذلك قوله : وإني لأستحيي من المجد أن أرى * حليف عوان أو أليف غواني وقوله : تعامى زماني عن حقوقي وإنه * قبيح على الزرقاء تبدي تعاميا فإن تنكروا فضلي فإن دعاءه * كفى لذوي الأسماع منكم مناديا